الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

504

مناهل العرفان في علوم القرآن

مفروغ منه ومن التدليل عليه . لكن يفتّ في عضدنا غفلة كثير من إخواننا المسلمين عن هذا الأدب الإسلامي العظيم ، الذي يحفظ الوحدة ، ويحمى الأخوّة ، ويظهر الإسلام بصورته الحسنة ووجهه الجميل من السماحة واليسر ، واتساعه لكافة الاختلافات الفكرية والمنازع المذهبية ، والمصالح البشرية ، ما دامت معتصمة بالكتاب والسنة على وجه من الوجوه الصحيحة التي يحتملها النظر السديد والتأويل الرشيد . ولقد حدث مثل هذا الاختلاف على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بين أصحابه ، فما تنازعوا من أجله ، بل أخذ كلّ برأيه وهو يحترم الآخر ورأيه ، وأقرّهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك ولم يعب أحدا منهم ، على رغم أنه يترتّب على بعض هذه الاختلافات أن ترك بعضهم الصلاة في وقتها اجتهادا منه ، إذ قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يوما لفئة من أصحابه « لا يصلينّ أحدكم العصر إلا في بني قريظة » فافروا وجدّوا ، ولكن الغزالة تدلّت للغروب وهم لا يزالون ضاربين في الأرض . ولمّا يصلوا . هنا لك اجتهدوا ، فمنهم من وقف عند ظاهر النص فترك العصر حتى خرج وقته ما دام لم يصل إلى بني قريظة . ومنهم من تأوّل النصّ وحمله على الكناية في الإسراع فصلّى حين خاف على الوقت من قبل أن يصل إلى بني قريظة . نقول : إن مثل هذا الخلاف حدث على عهد صاحب الرسالة وأقرّه ، تيسيرا على المسلمين وإعلاما بأن الإسلام دين الكافة ، يسع جميع البشر في كل العصور والأحوال . وشهد المسلمون بعد ذلك عصرا سعيدا كان أئمة الدين فيه يختلفون فيما بينهم كثيرا ، ولكنهم كانوا بجانب هذا يتكارمون ويتعاونون ويتراحمون كثيرا . وإن كنت في شك فاسأل التاريخ عن إكرام مالك للشافعي ، واحترام الشافعي لأحمد بن حنبل حتى ورد أنه كان يتبرّك بغسالة قميصه ، أي يتبرك الأستاذ الإمام